الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

216

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

خلق الإنسان عن ذكره ثم أتبعه إياه ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان » اه . وتبع ذلك من التنويه بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم بأن اللّه هو الذي علمه القرآن ردّا على مزاعم المشركين الذين يقولون : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ النحل : 103 ] ، وردا على مزاعمهم أن القرآن أساطير الأولين أو أنه سحر أو كلام كاهن أو شعر . ثم التذكير بدلائل قدرة اللّه تعالى فيما أتقن صنعه مدمجا في ذلك التذكير بما في ذلك كله من نعم على الناس . وخلق الجن وإثبات جزائهم . والموعظة بالفناء وتخلص من ذلك إلى التذكير بيوم الحشر والجزاء . وختمت بتعظيم اللّه والثناء عليه . وتخلل ذلك إدماج التنويه بشأن العدل ، والأمر بتوفية أصحاب الحقوق حقوقهم ، وحاجة الناس إلى رحمة اللّه فيما خلق لهم ، ومن أهمها نعمة العلم ونعمة البيان ، وما أعد من الجزاء للمجرمين ومن الثواب والكرامة للمتقين ووصف نعيم المتقين . ومن بديع أسلوبها افتتاحها الباهر باسمه الرَّحْمنُ وهي السورة الوحيدة المفتتحة باسم من أسماء اللّه لم يتقدمه غيره . ومنه التعداد في مقام الامتنان والتعظيم بقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * إذ تكرر فيها إحدى وثلاثين مرة وذلك أسلوب عربي جليل كما سنبينه . [ 1 ، 2 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) هذه آية واحدة عند جمهور العادّين . ووقع في المصاحف التي برواية حفص عن عاصم علامة آية عقب كلمة الرَّحْمنُ ، إذ عدّها قراء الكوفة آية فلذلك عد أهل الكوفة آي هذه السورة ثمانيا وسبعين . فإذا جعل اسم الرَّحْمنُ آية تعين أن يكون اسم « الرحمن » : إما خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : هو الرحمن ، أو مبتدأ خبره محذوف يقدر بما يناسب المقام . ويجوز أن يكون واقعا موقع الكلمات التي يراد لفظها للتنبيه على غلط المشركين إذ أنكروا هذا الاسم قال تعالى : قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ كما تقدم في سورة الفرقان [ 60 ] ، فيكون موقعه شبيها بموقع الحروف المقطّعة التي يتهجّى بها في أوائل بعض السور على